مصر والعالم ٢٠٢٠

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
مصر والعالم ٢٠٢٠ من موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الأربعاء 1 يناير 2020 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

النصف الثانى من العقد شهد عددا من التطورات الإيجابية التى استجابت لحالة الإقليم الصعبة بتوجهات إصلاحية عميقة ظهرت فى مصر وعدد من الدول العربية الأخرى. ومع نهاية العقد، وبداية عقد جديد، فإن التغيرات التى جرت على مدى سنوات عشر سوف تحمل إلى العقد القادم رؤى مصرية وسعودية بدأت فى ٢٠١٥.

لم يكن العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين رحيما لا بمصر ولا بالبيئة الشرق أوسطية المحيطة بها ولا بالعالم، حيث جرت الأحداث الدامية التى سميت «الربيع العربى»، وكان نصيب مصر منها ثورتين فى يناير ٢٠١١، ويونيو ٢٠١٣، وما بينهما وبعدهما توقفت عملية التنمية فى مصر، وتراجعت حالة البنية الأساسية، ونشطت التنظيمات الإرهابية مع تولى الإخوان المسلمين الحكم، وبعد الإطاحة بهم ظل الإرهاب مصدر تهديد حتى أخذ فى التراجع قبل وصول العقد إلى نهايته. وفى الإقليم قادت «الثورات» إلى حروب أهلية، وتدخلات إقليمية ودولية كثيفة، ومعها ارتفعت أسعار النفط ارتفاعا كبيرا، ثم عادت إلى انخفاض كبير أيضا، وما بين الارتفاع والانخفاض كان التأثير سلبيا على مصر فى معظم الأحوال، فتدهور حال القضية الفلسطينية، وتمددت تدخلات القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، وباتت إثيوبيا أقل تعاونا فى إدارة مياه نهر النيل من خلال ما شرعت فيه من بناء سد النهضة. وفى العالم لم تكن الأحوال أحسن حالا، حيث تراجع تأثير المنظمات والاتفاقات متعددة الأطراف، وطغت النزعات القومية على التوجه نحو العولمة، ونشبت فى العديد من الدول الغربية توجهات يمينية عنصرية نظرت إلى شعوب المنطقة العربية والإسلامية من منطلقات التعصب والتطرف والهجرة غير الشرعية. وأكثر من ذلك فإن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتنافس السياسى بين أمريكا وروسيا، عوقت نمو الاقتصادى العالمى، وشكلت حاجزا أمام فاعلية المنظمات الدولية. ولكن النصف الثانى من العقد شهد عددا من التطورات الإيجابية التى استجابت لحالة الإقليم الصعبة بتوجهات إصلاحية عميقة ظهرت فى مصر وعدد من الدول العربية الأخرى. ومع نهاية العقد، وبداية عقد جديد، فإن التغيرات التى جرت على مدى سنوات عشر سوف تحمل إلى العقد القادم رؤى مصرية وسعودية بدأت فى عام ٢٠١٥ ومن المقدر لها أن تستمر حتى ٢٠٣٠.

وفى دراسة منشورة فى «الملف المصرى» (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية) عدد نوفمبر ٢٠١٩، لخصت د. هدى يوسف، الباحثة الاقتصادية بالبنك الدولى، الحالة المصرية على ضفاف العقد الجديد على الوجه التالى: على الرغم من نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى بدأته الحكومة المصرية فى عام ٢٠١٦ بالشراكة مع صندوق النقد الدولى فى تحقيق الاستقرار وتعزيز الثقة فى الاقتصاد، إلا أنه نتج عنه تأثيرات اجتماعية واقتصادية سلبية. ومع أن تدابير الحماية الاجتماعية الموجهة التى اتخذتها قد ساهمت فى تخفيف الأثر على بعض الفئات المستحقة للحماية، فإن تلك الإجراءات ظلت محدودة فى طبيعتها وفى نطاق تغطيتها، كما أنها لم تتمكن من التعامل مع تضرر الطبقة المتوسطة من تآكل مستويات الدخل الحقيقى، ومن هنا فإن هناك حاجة للانتقال إلى الجيل الثانى من الإصلاحات والتى تركز على المشكلات الهيكلية، وتعالج أساسيات الاقتصاد، وتفسح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص، بحيث ينعكس التحسن بشكل إيجابى وملموس على مختلف الطبقات الاجتماعية، والفئات العمرية، والمجموعات المهنية، وكذلك على مختلف الأقاليم الجغرافية، وذلك يتطلب إطلاق إمكانات مصر التصديرية كمحرك أساسى للنمو، وإرساء قواعد المنافسة وتوفير فرص متكافئة للشركات بحيث تواجه نفس القواعد بغض النظر عن ملكيتها للقطاع العام أو الخاص، مع ضرورة الاستثمار فى رأس المال البشرى باعتباره الأهم الذى لا تستقيم بدونه أى إصلاحات أخرى.

والحقيقة أن مصر حققت ما هو أكثر خلال النصف الثانى من العقد المنتهى، حيث نجحت أولا فى حصار الإرهاب، وثانيا فى بناء بنية أساسية واسعة النطاق تربط الطرق ما بين نهر النيل من ناحية، والبحار والخلجان المحيطة بمصر من ناحية أخرى، وثالثا أن مصر اتبعت سياسة خارجية معتدلة تقوم على حماية السلام مع إسرائيل والعمل على حل التناقضات المصرية الإثيوبية بالطرق السلمية، والسعى إلى الاستقرار وإقامة شبكة كبيرة من التعاون مع دول الإقليم العربية تركز على العوائد الإقليمية والدولية لخدمة عمليات البناء الداخلى فى مصر. وهكذا فإن تخطيط الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية فتح الأبواب لتنمية إقليم البحر الأحمر وتعمير سيناء، وكذلك كان تخطيط الحدود البحرية بين مصر وقبرص سبيلا إلى استغلال مصادر النفط والغاز، وإقامة «منتدى دول شرق البحر الأبيض المتوسط» الذى ينظم عمليات إنتاج الغاز وتسييله واستخدامه فى الصناعات المصرية. وبالفعل فإن مصر ستنتقل إلى العقد الثالث من القرن الحالى، وقد بدأ العجز فى الميزان التجارى فى التحسن لصالح الصادرات، مع توفير معدلات للنمو هى الأعلى بين دول المنطقة وإفريقيا، وهو المتوقع أن يستمر خلال العقد المقبل، نتيجة توافر مصادر الطاقة الأحفورية، بالإضافة إلى مصادر الطاقة المتجددة. والأكثر من ذلك أن مصر تدخل العقد الجديد ليس فقط بدوافع محرك الصادرات وإنما بمحركات أخرى قوامها نشر العمران فى مساحة مصر كلها، والتركيز على تنمية الثروات المصرية من أجل تحقيق التراكم الرأسمالى اللازم لمائة مليون مصرى، وتفعيل العامل البشرى بالتعليم والصحة والثقافة، والقيام بثورة تشريعية كبرى تدفع مصر على سلم ممارسة الأعمال، ويعيد تركيب الخريطة الإدارية المصرية من جديد، فيكون «محرك» اللامركزية «والحكم المحلى» ضرورة لتكثيف حركة الاستثمار وتعبئة الموارد المحلية والقومية، سوف تكون واحدة من أولويات العقد الثالث.

هذه الحالة الديناميكية المصرية بين العقدين الثانى والثالث من القرن الواحد والعشرين سوف يكون عليها التعامل مع تحديات داخلية صعبة، وتحديات خارجية لا تقل صعوبة. فمن ناحية فإن مصر تعبر من عقد إلى آخر وقد وصل عدد سكانها المقيمين إلى ١٠٠ مليون نسمة (هناك ١٠ ملايين خارج مصر) ومن المقدر أن يضاف إليهم خلال العقد المقبل ما لا يقل عن ٢٠ مليونا إضافية. هذا العنصر البشرى يعانى من ثلاث حقائق قاسية: الأولى أن ٣٢.٥٪ فقراء، والثانية أن ٢٦٪ منهم أميون، والثالثة أن هناك فقدانا للتوازن فى النمو ما بين شمال مصر وجنوبها. ومن ناحية أخرى أن مواجهة هذا التحدى تتطلب تسارع معدلات النمو الحالية المقدرة ٥.٦٪ فى عام العبور من العقد إلى العقد التالى، لابد لها أن تصل إلى ٨٪ حتى يمكن مواجهة التحدى السكانى. ولكن الإشكالية المصاحبة لهذا النمو أنه كثيرا ما يؤدى إلى ضغوط تضخمية على الطبقة الوسطى تحتاج إلى معالجة هى الأخرى ووقاية من تأثيراتها السياسية. ومن ناحية ثالثة أن التحديات الخارجية تظهر أولا فى أنه وقد بات مرجحا فى نهاية العقد الثانى أن تبقى دول الإقليم بعد الثورات المختلفة على حدودها الإقليمية، فإنها تخرج من السنوات الماضية وهى منهكة ومفككة وتسود فيها حالات مزمنة من عدم الاستقرار كما يبدو عليه الحال فى دول مثل سوريا والعراق، وأكثر من ذلك عرضة لمزيد من التدخلات الإيرانية والتركية والإسرائيلية. وثانيا أنه رغم ترجيح حل المعضلة المائية بين مصر وإثيوبيا التى سادت طوال العقد الذاهب، فإن العقد القادم يبدو مولدا لكثير من الأزمات الناجمة عن إجهاض إسرائيل لكل فرص الحل السلمى للقضية الفلسطينية، وعن الرغبات الإيرانية التوسعية الثورية فى منطقة الخليج، والتركية التدخلية فى المشرق العربى. وثالثا أن احتمالات حرب أمريكية إيرانية، بسبب انهيار الاتفاق النووى بين إيران من ناحية والولايات المتحدة والدول الأوروبية من ناحية أخرى، يمكنها أن تقود إلى حرب فى المنطقة.

البيئة العالمية سوف تظل مشكلة لتحديات بالغة الأهمية فى تعامل مصر مع العقد القادم، حيث أسفرت ظاهرة «الاحتباس الحرارى» عن ظهور منافس لقناة السويس فى القطب الشمالى من الكرة الأرضية. ولا شك فإن إنشاء تفريعة قناة السويس وتنمية إقليمها أعطى للقناة المصرية مزايا تنافسية، إلا أن آثار التغيرات المناخية، فضلا عن مضارها المباشرة على مصر، تؤثر على التجارة الدولية التى تعبر القناة. من جانب آخر، فإن استمرار المنافسة الأمريكية الصينية رغم وجود انفراج جزئى فى مطلع العقد الجديد، فربما تستحكم بعد ذلك خاصة مع تراجع الدور الأوروبى نتيجة الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى وما سوف يتلوه من نتائج. وما لا يقل أهمية عن التغير المناخى فإن التغير المتسارع للتكنولوجيا العالمية فى اتجاه نضج الثورة الصناعية التكنولوجية الرابعة يضع القدرة التنافسية المصرية أمام تحد كبير يضغط على قدراتها الاقتصادية ومكانتها العالمية. وفى النهاية فإن تعاظم سياسات «الهوية» والنزعات القومية المتطرفة مع تقلص دور المنظمات الدولية متعددة الأطراف سوف يجعل العالم الذى ستتعامل معه مصر خلال العقد الثالث من القرن الحالى معقدا وصعبا وفيه ألغاز كثيرة.

ولكن مصر التى خرجت من العقد الثانى ورايتها خفاقة ومنتصرة على ظروف محلية وإقليمية وعالمية معقدة وصعبة، فإن المحركات المشار إليها سوف تضاعف من قدراتها على التعامل مع التحديات الجديدة.

* رئيس مجلس إدارة مؤسسة «المصرى اليوم» للصحافة والطباعة والنشر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق