منصور الجنادي يكتب: ثقافة الألوان والعطور

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
منصور الجنادي يكتب: ثقافة الألوان والعطور من موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الأربعاء 21 أغسطس 2019 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لكل شعب فى عالمنا العربى تاريخه وتراثه. فهو عالم يذخر بألوان ثقافية وعطور حضارية. إن أردنا.

مثلاً، وُلِد «مالك بن نبى» (1905- 1973) وعاش فى الجزائر فأطل علينا بفكر لا يصدر إلّا عن الشمال الإفريقى، بلاد الطوارق أو الأمازيج («الرجال الأحرار») بتاريخهم العريق ولغتهم الخاصة وتقاليدهم الفريدة. امتزج كل هذا فى العصر الحديث بالثقافة الفرنسية، فأنتج شعباً يختلف عن غيره من العرب.

مزيج الحرية الأمازيجية والثقافة الفرنكفونية صنع من بن نبى مفكراً إسلامياً وفيلسوفاً فى نفس الوقت. وتلك نُدرة فى عالمنا العربى.

ليس هذا فحسب، بل لم يُبد مالك بن نبى أى اهتمام بخلاف التراثيين والعلمانيين حول سُبُل تحقيق النهضة. فالمسألة فى رأيه ليست العودة إلى القديم عندما تشتد الحاجة إلى تجديد- كما يرى بعض التراثيين. ولا هى الهرولة نحو التقدم دون الوعى بمفهوم التخلف- كما يفعل بعض العلمانيين. وإنما الأهم من كل ذلك هو «الناتج الحضارى» للشعوب، والذى صاغه فى معادلة رياضية:

ناتج حضارى = إنسان + تراب + وقت.

الإنسان: المسلم اليوم- كما رآه المفكر الإسلامى- لا يعيش حالة حضارة، وإنما هو من بقايا حضارة، ولابد من إدخاله مرة ثانية فى دورة الحضارة. الإسلام نقل العرب إلى حضارة، لكن فى عصر التخلف وغياب المناخ العلمى لم يستفد المسلمون من اكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية، فلم تتراكم المعلومات والمعارف ولم يتقدم بعده علم الطب. التراب هو الأرض وثراء الطبيعة والإمكانات المادية التى يجب إعمال العلم فيها والحفاظ عليها.

الوقت هو عنصر الزمن الذى يتوقف التحضُّر على الوعى به وكيفية توظيفه.

هذه المعادلة (إنسان/ تراب/ وقت) لا تُحقق ناتجاً حضارياً مُعتَبَراً إلّا فى وجود الدين، الذى هو عند بن نبى أى عقيدة تُحَفِّز شعباً ما- روحياً وأخلاقياً- على التعاون وتوظيف قدراته «الإنسانية والترابية والوقتية» من أجل الإنتاج والتقدم (الصين أو اليابان مثلاً).

البيئة الثقافية المحيط بمالك بن نبى هى إذًا التى ألهمته فكراً جديداً جريئاً مبدعاً. الناتج الحضارى فوق الجميع. معادلة رياضية بديلاً عن المعارك الكلامية. ضرورة أن نكون جزءاً «داخل» المسار الإنسانى الحضارى. ليس خارجه (التخلف)، وليس فوقه (التعالى عليه، خاصة إن كان التعالى فى زمن التخلف).

بخلاف الأمازيجية الفرنسية، كم من الثقافات الأخرى يحوى عالمنا العربى؟ وكم من الثروات الفكرية يمكن أن يُنتج؟ تأثيرات هندية فى الخليج؟ ثقافات كردية وبابلية وآشورية وسوريانية؟ ديانات يهودية وإسلامية ومسيحية؟ حضارة مصرية؟ صوفية سودانية؟ حدائق غناء، وألوان وعطور.

لماذا انقلب هذا التعدد الثقافى المُبهر إلى كراهية طائفية، وتحول العرب إلى من وصفهم نزار قبانى بمن «يدخلون الحروب ولا يخرجون»؟ أم لم ينقلب شىء، وكان العرب دائماً كذلك؟

لماذا يٌسدَل على كل هذه الألوان الثقافية والعطور الحضارية ستار نبدو من خلفه أشباحا متكررة؟ كلنا عرب. تاريخ واحد ومصير واحد، كما تعلمنا فى المدارس. كلام كُتُبٍ وميكروفونات، تقابله على أرض الواقع حروب أهلية وأوطان تنقسم.

فهل من بديل؟

ربما أن نعلم أولادنا الاختلاف، كى يتفقوا ولا يتحاربوا؟

ألا يشترط الاتفاق الوعى بالاختلاف؟

أو نُعَلِّم المصريين أن يكونوا مصريين أولاً، والكويتيين كويتيين أولاً.. وهكذا؟ أليس نُضج الذات الفردية هو شرط نجاح الهوية الجمعية؟

العروبة الآن لا وجود لها إلّا فى الذهن العربى والخيال الرومانسى. أما فى الواقع، فاختلاف وتشرذم.

إن جاز الحلم، والتفكير فى حركة نهضة جديدة فى القرن الحادى والعشرين، عالم الذكاء الاصطناعى والتكنوبيولوجيا والفيزياء الكيميائية، فلا مكان للتراثيين ولا العلمانيين نسخة القرن العشرين. كلاهما فشل وصارت الأمة إلى الأسوأ.

لا أمل سوى فى البدء بفهم أنفسنا أولاً. وهذا موضوع لمقالات وكتب، ولكن الفهم تمييز. تمييز بين الأمازيجى والخليجى، المسلم والمسيحى..... وهكذا. لابد من فهم الاختلافات أولاً، وبعمق. حينئذ سوف يحترم كل منا الآخر، لأننا سنفهم أن التاريخ والبيئة، التى نشأنا فيها، هما اللذان صنعا الفوارق بيننا. فلا فضل لأحد على ما هو فيه، ولا بديل عن فخر كلُّ منا بهويته، قبل أن يكون للجَمعِ هوية.

إذًا، فلنُبرز ألواننا الثقافية وعطورنا الحضارية، قبل إسدال الستار.

* استشارى وبروفيسور سابق بجامعة وبستر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق