أماني قنديل.. استنارة مبكرة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
أماني قنديل.. استنارة مبكرة من موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الأربعاء 21 أغسطس 2019 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لافت للنظر أن يعرف المرءُ إنسانًا لمدة عدة عقود، ويجده كما هو، لم تؤثر فيه عادِياتُ الدهر. أما المدهش، فهو أن تجد ذلك الإنسان- وبعد تلك العقود ومعها عاديات الدهر- أكثر تألقًا وحيوية وإصرارًا على الإبداع والتجدد والعطاء، وتجده وقد اختار الصعب إنسانيًا وعلميًا ليكون محلًا لإجادته وتميزه، فيجعل منه سهلًا ممتنعًا. وهذا هو ما لفتنى إلى الأستاذة الدكتورة أمانى قنديل، وأدهشنى، لأنها بسهولة ممتنعة أثبتت صحة القول بأن حياة المرء تخضع- من بين ما تخضع له من نواميس الكون- لقانون الأوانى المستطرقة، حيث يكون السائل فى مستوى واحد، وهذا ما وجدته عندما قرأت لها منذ شهور سيرتها الذاتية التى ركزتها فى حوالى مائة صفحة من القطع المتوسط من حيث الشكل.

أما من حيث المضمون، فإن القارئ يجد نفسه أمام بساط ممدود من خضرة تفاوتت أحجامها من عشب إلى شجر عملاق، وتدفقت أمواهه بين عيون سيالة وشلالات هادرة.. وتوزعت أجواؤه بين صفو هادئ وغيم عاصف يلعلع فيه الرعد، ويفرقع البرق! سيرتها الذاتية حملت اسم «أوتوجراف»، وأيضا «خلطة أمانى».. قطعة من أدب المذكرات الموجزة المركزة، وأيضًا الصريحة الشفافة الشجاعة.. وفى الوقت نفسه اعترافات بالضعف الإنسانى والعجز فى بعض المواقف الصعبة.. ثم ومنذ أسابيع قليلة صدر لها كتاب من القطع الكبير يحمل عنوانًا هو «الحراك الاجتماعى فى مصر محاولة للفهم»، وفيه يجد المرء نفسه أمام السمات نفسها: الإيجاز غير المخل.. والخلاصات القصيرة الوافية، والتأصيل العلمى الواثق الموثق بآراء علماء أفذاذ من رواد الفرع الذى ينبثق منه الموضوع، وكل سطر فيه لا يسمح للعين أن تعبره ببساطة؛ إذ تستحيل طريقة القراءة باللقطة التى قد تحوى فقرة أو صفحة.. ثم الصراحة نفسها الكاشفة للفقر الفاضح فى الحياة الأكاديمية المصرية، التى تبدو شبه خالية من دراسات علمية تأصيلية فى هذا الفرع من فروع علم الاجتماع وعلم السياسة!

ثم إننى لا أزعم القدرة على عرض الإبداعين فى مساحة مقال صحفى، بل لو كان الأمر بيدى- أى لو كنت صاحب قرار فى دورية صحفية- لخصصت صفحة أو ملحقًا يتخصص فى نشر النصوص الكاملة لهذه الإبداعات الإنسانية المصرية التأصيلية فى الفرع الذين تنتمى إليه، كى يعرف القارئ أن المحروسة لم تعقم بعد، وأن كثيرًا من الغثاء والثغاء الجالب للغثيان- الذى يسود مساحات أعمدة ومقالات- ليس هو الوجه المعبر عن حالة العقل المصرى، ويكفى غثيانًا أن يقحم سؤال «ماذا لو؟» على علم التاريخ، وعلى الكتابة الصحفية!

لقد أقدمت الدكتورة أمانى قنديل على الإفصاح عما قد يستحيل على فتاة أو امرأة الإفصاح بوضوح عنه، ومنه مثلا قصة عزوبتها وقصة زواجها.. وموقفها من الأمومة والإنجاب!

ولم تتوانَ عن الحكى الممتع فى علاقاتها مع زملائها وأصدقائها، والمواقف الصعبة التى مرت بها، ومنها ذلك الذى جرى وهى ضمن وفد مصرى رفيع المستوى العلمى، وإذا بهم مطلوبون لمقابلة صدام حسين، وكيف ثارت، وبكت، وقاومت، ثم سلّمت أمرها لنصيحة من هم أكبر منها مقامًا وعمرًا، وكانت النصيحة هى الاستسلام للقضاء والقدر، أى لحرس الرئيس وللرئيس!

ومثلما التقت صدام.. التقت- فى ظروف مختلفة- الرئيس القذافى والرئيس بشار الأسد، وأيضا الرئيس الحريرى رئيس وزراء لبنان، ولها عن كل لقاء قصة.. فالقذافى يتحدث ويتحدث دون ربط الجمل والأفكار، ويصعب أن تتابع وتفهم ما يقوله، ولا تملك غير الابتسام.. وفى ذلك التوقيت ومبكرًا فى السبعينيات- والكلام لأمانى- قلت ما هذا الجنون؟!

أما مع بشار الأسد، فيبدأ موال أمانى بأنها تعشق سوريا، وتحب السوريين الذين يبادلون كل مصرى الحب والكرم.. وفى الموال السورى عند أمانى لا بد من ذكر أعظم من أبدع الموال العربى، خاصة الحلبى.. وهو صباح فخرى، الذى كان له حفل أثناء وجودها فى دمشق، ولم تجد بطاقة دخول للحفل، واستحال الحصول عليها، ثم فوجئت وهى تستعد لإلقاء المحاضرة العامة التى ذهبت خصيصًا لإلقائها، وكان بصحبتها زوجها بأن الرئيس بشار من بين حضور المحاضرة ومعه زوجته، وأثناء القهوة مع الرئيس بعد المحاضرة باحت أمانى بأمنيتها التى لم تتحقق، أى حضور حفل فخرى.. ثم فوجئت عند عودتها للفندق برسالة رقيقة ومعها بطاقتان للحفل، والرسالة تقول: «تحية لمصر وللمصريين».. كانت تلك هدية بشار وزوجته!

إن مساحة المقال قاربت على النفاد، وما زلت عند الإصحاح الأول من إبداعات أمانى قنديل، ولا بد من أن يعرف القارئ ماذا كتبت فى دراستها العلمية الرصينة عن الحراك الاجتماعى فى مصر، وهو ما سأكتبه فى المقال المقبل، غير أننى أختم فأعترف بأنها أشجع منى؛ إذ فعلت فى بغداد ما لم أستطع فعله، وذهبتُ من بلجراد بصحبة صديقى المغفور له خالد عبدالناصر وبضغط رهيب منه، رغم يقينى أننى يمكن أن أقتل فعليًا بيد البعث العراقى، وتلك قصة أخرى قد أحكيها فيما بعد.. تحية للإنسانة الأكاديمية رفيعة القدر أمانى قنديل.

وللحديث بقية.

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق