طارق الشناوي يكتب: "أرواح صغيرة" وفيلم كبير!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
طارق الشناوي يكتب: "أرواح صغيرة" وفيلم كبير! من موقع الفجر، بتاريخ اليوم الثلاثاء 8 أكتوبر 2019 .

السينما التسجيلية هى الأقدر على رصد الزمن الذى نعيشه، لا يمكن أن توجه إدانة لمخرج يقدم اللقطة الحاضرة، حتى لو خانه التحليل أو أثبتت الأيام أن انحيازه فى توقيت ما لم يكن صحيحا، الحقيقة ليست دائما ما نراه أمامنا، كما أن الدوافع لا تتم عادة الإفصاح عنها أو التيقن منها فى ذروة الحدث، وهكذا شاهدنا على الأقل مئات من الأفلام عن ثورتى 25 و30، ولكن تقديم فيلم روائى يظل محفوفا بالمخاطر، حتى لو بدت لنا الحقيقة ثابتة، فإن التحليل والتفسير يخضع بين الحين والآخر للتأويل.

فى إطار مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة شاهدت فى مهرجان «مالمو» الفيلم الأردنى اللبنانى «أرواح صغيرة» للمخرجة دينا ناصر، الحالة التى قدمتها دينا تعتمد على خطوط التماس والتواصل مع قلب المشاهد قبل عقله، فهو يحكى مأساة نعيشها كعرب ولا نمتلك كعادتنا القدرة على المواجهة، نعايش نحو خمس سنوات، زمن تصوير الفيلم، فتاة صغيرة ابنة تسع سنوات تصل لبداية المراهقة والإحساس بمشاعر الأنثى.

تتوقف عند أكثر من زاوية، بعضها يبدو للوهلة الأولى بعيدا عن الفيلم، ثم تكتشف أنه الفيلم، الزمن الطويل الذى استغرقه التصوير أسفر عن عدة نقاط، أهمها الصداقة والارتياح بين الأبطال الثلاثة والمخرجة، تلاشى حاجز الخوف من الكاميرا، بل تعمدت دينا أن تترك لهم أحيانا مهمة التصوير، لكسر الخوف اللاشعورى، الفيلم شحذ لذاكرة عائلة نزحت من محافظة «درعا» السورية، التى انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة.

الطفلة الكبرى تحكى، فهى تملك ذاكرة تؤهلها للتذكر، الاعتداء على البيت وحرقه أمام الأطفال، والانتقام من الشقيق الذى كان مجندا فى الجيش السورى، ولكنه لم يرض أن يقف ضد إرادة شعبه، الهروب لمخيم (الزعترى) على الحدود الأردنية هو الملاذ لتلك الأرواح الصغيرة، المخرجة كانت حريصة على أن تمنح هؤلاء الأطفال الثلاثة: مروة، 13 عاما، وآية، 9 أعوام، ومحمد، 5 أعوام، الحرية فى التعبير.

اللقطات العامة فى البداية مهمة لتأسيس المشهد، مع استخدام بارع للموسيقى التصويرية، الموسيقى ليست حيلة إضافية، ولكنها تعمق الإحساس الفطرى بالصورة، حتى يصبح المشاهد طرفا مشاركا فى الملعب، أنت ترى العلاقات المكانية المتداخلة، وأيضا حالة المخيم غير القادرة على مواجهة العواصف، المكان يرسم أمامك الشخصيات، يحملون ملامحه بقدر ما يحمل ملامحهم، المخيم طوال السنوات الخمس، زمن التصوير، ينمو أفقيا مثل كل الأماكن العشوائية، حيث لا يمكن قطعا البناء الرأسى، العيش داخل المخيم يتحول إلى تعايش، ثم مع الزمن تصبح هذه هى الحياة، ويتحول هدف العودة إلى «درعا» من حلم إلى كابوس، سيفقدون الأهل والأصدقاء وأيضا القوانين التى صارت جزءا من خبزهم اليومى.

المخرجة فلسطينية الجذور، وكأنها تروى مأساة عائلتها فى 48 عندما هاجروا من فلسطين، فلا فرق أن تهاجر بسبب عدوان خارجى أو لأنهم فى الداخل يطردونك ويطاردونك. الفيلم يرصد الحياة بكل أوجهها، فى ظل سطوة مجتمع يعلى من شأن الإسلام الظاهرى، يفرض على الابنة أن ترتدى عنوة الحجاب، كما أن المخرجة تتوقف أمام إحساس مروة بالحب لأول مرة. سر وسحر الفيلم أنه لا يعلن رأيا سياسيا مباشرا، ولكنه ينقل إليك مشاعر هؤلاء الأطفال من خلال حياة عاشوها وشاركوا فى صياغتها كفيلم نسيجه هو أحلامهم وكوابيسهم!.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق